حدود الغضب*

حدود الغضب*
د.نبيل الشريف

من حقنا أن نغار على مصالح بلدنا، بل من الضروري أن نعتب ونغضب عندما يُعلن عن تطور ما نراه يدفع بالأمور في إتجاه سلبي أو عن قضية معينة تفوح منها رائحة الإعتداء على مصالح الدولة وحقوق المواطنين.
فلا ينبغي لأحد أن يتوقع من الناس أن تتعامل مع أي هدر للمال العام أو عدوان على مصالح الناس دون إبداء ردود فعل غاضبة ومستنكرة، فالمواطن الصالح الحريص هو الذي يُبقي عينيه مفتوحتين على إتساعهما ليس فقط لحماية مصالحه الشخصية بل لحماية وطنه وحقوقه العامة بنفس الجسارة والجرأة التي يدافع بهما عن ممتلكاته الخاصة.
ويجب أن تشجع الدولة المواطنين على الإستنفار دفاعاً عن الصالح العام، فلا يمكن الفصل بين المصالح العامة والخاصة في هذا السياق ، فإذا تعرضت الممتلكات العامة لأي ضرر فإن المواطن هو الذي يدفع الثمن وقد يجد نفسه مطالباً بالسداد بطريقة أو أخرى.

لكن ما أجده غريباً عند إندلاع قضايا تهدد الصالح العام هو إنفلات الغضب من عقاله وتجاوزه كل الحدود، وإنتشار ظاهرة جلد الذات والتشكيك في الدولة ومؤسساتها وتوزيع الإتهامات شرقاً وغرباً سواء وجد الدليل أو لم يوجد، إضافة إلى علو نبرة العدمية وتصوير الأمر وكأن الدنيا كلها قد أمست خراباً بلقعا ولم يعد في الوضع كله بارقة أمل واحدة إيجابية!
وأذكر في هذا الصدد أن صحفياً أجنبياً سألني في أعقاب وفاة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه أن العالم عرف الأردن من خلال الملك الحسين رحمه الله فهل وفاته تعني أن الأردن إنتهى؟ فكان جوابي على ذلك الصحفي هو أن سر قوة الأردن وعظمته وإستقراره هو أنه دولة مؤسسات. وقد أثبتت الوقائع أنه، رغم فداحة الخسارة التي تعرض لها الأردن بوفاة باني نهضته الحديثة، إلا أن البناء تواصل وتعزز وإتسع النهوض في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني أطال الله في عمره.
إن ما قصدته هو أن أية دولة في العالم يمكن أن تتعرض للهزات والخضات، ولكن سر نجاح الدول وقوتها يكمن في قدرتها على التعامل مع الصدمات والتصدي للأزمات من خلال المؤسسات الراسخة القوية.وبمعنى آخر، فإن من حقنا أن نغضب ونعتب ونرفع أصواتنا عالياً عندما نصطدم بما نراه تجاوزاً على حقوق الوطن، فهذا هو الرد الصحي والطبيعي، ولكن شرار الغضب يجب ألا يتطاير فيدفعنا إلى إضعاف الأسس التي تقوم عليها الدولة، فمن غير الصحي أو المفيد إطلاق العنان للتشكيك في كل شيء وتصوير الأمر وكأن الدنيا كلها قد إسودت في وجوهنا أو أن الكوارث قد أطبقت على رؤوسنا، فهذا التصوير – إضافة إلى كونه غير صحيح – فإنه ضار للغاية ويساعد على تفشي الإحباط واليأس في نفوس الناس ويضرب في أسس الإستقرار للدولة والمجتمع.إن أحداً لا يقول ألا نغضب ونعتب، ولكن يجب أن نضع الأمور في حجمها الصحيح وفي سياقها المناسب، حتى لا تتحول هذه المشاعر إلى معاول هدم لإستقرار المجتمع وحتى لا تستغل أو توظف من قبل أطراف وجهات لاتضمر لنا ولا لبلدنا أي خير.لقد واجهت الكثير من الدول الديموقراطية حول العالم هزات وخضات طالت الأسس التي تقف عليها تلك الدول، ولكن الهزات مضت إلى سبيلها وتم إستيعاب كل ما حدث بكفاءة وإقتدار، وبقيت تلك الكيانات صامدة ومزدهرة، بل ربما إزدادت صموداً وإزدهاراً بسبب قدرتها على مواجهة التحديات. وأحسب أني لست في حاجة لأسوق عشرات الأمثلة حول العالم التي نعرفها جميعاً والتي تقدم الدليل على ما سبق.

وبمعنى آخر، فإن وقوع الهزات العميقة واندلاع الأزمات الكبيرة هي أمور ملازمة لسيرورة الدول، ولكن الدول الناجحة والمستقرة بقياداتها الراسخة ومؤسساتها القوية تمتص الأزمات وتعالج الإختلالات بقوة القانون وبكفاءة المؤسسات وتمضي في سبيلها لا تألو على شيء، والأردن–دون مبالغة – واحدة من أبرز تلك الدول على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

إن التعبيرعن الغضب لوجود ممارسات يراها المواطن ضارة بالصالح العام أمر صحي ومفيد، ولكن من الضروري أن يكون لهذا الغضب حدوداً يقف عندها ولا يتجاوزها إلى حد التشكيك في الدولة ومؤسساتها وعلى قدرتها على التصدي للتحديات.. حينها يتحول هذا الغضب الإيجابي الذي يحمي مصالح الدولة إلى طاقة سلبية تهدد أمن واستقرار المجتمع.
رئيس الهيئة الاستشارية في جمعية البيئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.