أحبوني بلا وجع

أحبوني بلا وجع

د . ردينة بطارسة
‘أي علم هذا الذي لم يستطيع حتى الآن أن يضع أصوات من نحب في أقراص، أو زجاجة دواء نتناولها سرا، عندما نصاب بوعكة عاطفية دون أن يدري صاحبها كم نحن نحتاجه ‘ كتبت هذه العبارات الممتلئة بالحب المترف، أيقونة الأدب العربي المبدعة أحلام مستغانمي.
وهي هنا عبرت عن ما يجول بخاطري عندما أحببت أن أشارككم هذه المقالة أعزائي، عندما يتحول الحب في أبهى صوره من مشاعر وعاطفة فقط، الى دواء للقلوب الموجعة بالفراق والنقصان، وبالتالي نكون قد وصلنا الى الهدف الأسمى للحب. وهو العطاء دون حساب أو حتى انتظار مقابل.
هذه هي الحالة التي تحاكي واقعنا الذي نعيش، فما أحوجنا نحن اليوم الى ذلك الحب المداوي، في زمن أصبحت فيه القطيعة والجحود ونكران الآخر سمات دائمة للبشر ، وقد أصبحت المحبة لغير مصلحة ، نوع من الترف فلكل شيء ثمن يباع ويشترى فيه ، حتى العطف والحنان يقدم ضمن صفقات ومصالح .
واسمحوا في هذا المضمار ، أن أطرح عليكم سؤال يرتبط بالإنسانية قبل كل شيء ، سؤال يتطلب من كل واحد منا أن يطرحه على ذاته ويبحث عن الجواب داخل مكنونات نفسه ، واطمئنوا أعزائي ،بعيدة أنا كل البعد في سؤالي عن أجواء الثانوية العامة وتوتراتها ،فسؤالي ليس مكتوبا في ورقة اختبار ، ولن يتبع الإجابة عليه علامات ولا نتائج ، هو فقط من أجلكم أنتم ومن أجل من تحبون وهو ببساطة كالآتي :
لماذا تجتاحنا مشاعر جياشة من الحب والعاطفة عندما نسمع أن شخص نعرفه أو نقربه يعاني من حالة مرضية خطيره قد يخسر حياته فيها؟؟؟
والسؤال الأدق هنا …لماذا ننتظر ذلك الشخص الموجود حولنا طول الوقت أن يمرض أو يمر بضيقه حتى نظهر له تلك المحبة ؟؟
ولماذا نتعاطف مع ذلك المريض فقط ونترك من هم بحاجة الى الحب من حولنا؟؟
لماذا تتغلب أناتينا في الحب على الحب نفسه؟؟
وهنا وجبعلينا أن نقف لننظر الى الأمر من ناصية الرغبة بالمعرفة ما هو الدافع لذلك ، أرجوا من كل منكم أن تفكروا في دواخلكم في السؤال ، وتأكدوا أنكم ستحتارون في البحث عن الإجابة المناسبة ، فلماذا تمتلئ عيوننا بالدموع عند مقابلتنا طفل مريض بالسرطان مثلا؟ نجدنا تحولنا الى أشخاص آخرين ودون أن نشعر تتحول تصرفاتنا معه ، وتنتابنا فجأة موجة من الحب الممزوج بالحزن على وضعه ؟؟كلها تساؤلات بحكم الإجابة .
كنت قد كتبت سابقا تحت عنوان ‘رسالة الى الفرح ‘ …تعال حرضني على الفرح ، إنهم يحرضونني على الدمع ، تعال واسرق معي لحظات من الفرح دون أن يرانا اليأس ، تعال ومزق دفاتري التي مللت كلماتي العابسة وأبدلها بقصائد نزار ودرويش وكلام حب دافئ ، تعال وأنقذني من عتمة الحزن ،فقد عبثت الستائر بأطراف شبابيك قلبي وزرعت فيها عفونة رطبة وباردة ، أرجوك تعال ، علني أسترجع كياني بعودتك ،فقد مضى علي زمن طويل وأنا أقف صفرا بلا قيمة أقف على يمين الحياة ، تعال فقد كنت قبل مجيئك أشبه تلك قطرة ماء على زجاج سيارة ، بخرتها حرارة الشمس ولم يراها أحد أو كأني كلمة وصلت الشفاه وتجمدت ولم تقوى على الخروج ، وها أنا عند مجيئك أيها الأثيل ، أصبحت أطير كفراشة رقصت على أطراف اقحوانتها وأعلنت بعطر الحب أنها أوصلت رسالتها اليك …رسالتي إلى الفرح .
نعم ، هذه هي الحقيقة بالحب فقط تصل رسائلنا الى الفرح وليس بغيره ، اذا لماذا لا ننشر عبير هذا الحب دون انتظار ، أعجبني قبل بضعة أيام لقاء على أحد الفضائيات العربية مع سيدة فاضلة هي عضو مجلس النواب المصري الدكتورة أنيسة حسونة ، استعرضت فيه الأسباب التي دفعتها الى كتابة كتابها ( دون سابق انذار / فصتي مع السرطان ) ، فرغم مرارة التجربة وصعوبة الحديث عنها ، الا أن الكاتبة أرادت من خلال الكتاب الإضاءة على الجوانب المفرحة للمرض ، حيث قالت ( لقد علمتني التجربة إعادة اكتشاف أحبابي من حولي ..أرجوكم لا تؤجلوا واذهبوا الآن وأخبروا كل من تحبوهم ..بأنكم تحبوهم .. قد يأتي الوقت الذي ترغبون بذلك ويكون أي منكما غير موجود).
نعم أصدقائي، الحب …لا يجب أن ينتظر ولا يؤجل. أرجوكم أخبروا من تحبون كم تحبوهم.. الآن وليس لاحقا، فالمحبة هي الكنز الذي أهداه الخالق للبشرية، المحبة الخالصة التي لا تحتاج الى ظروف حتى تنتصر.
قد نجلس أحيانا ونتذكر من مروا في حياتنا وذهبوا ،منهم من مر بعنفوان جارف وتركوا جروح عميقة ،بقيت أثارها محفورة في قلوبنا لا تمحيها السنين ،ومنهم من مر طيفه سريعا لا نذكر حتى ملامحه ،ومنهم من دق أوتاد حبه في قلوبنا بحيث غرست بثبات لا يقتلعها شيء أبدا ، هؤلاء هم من نبحث عنهم على الدوام ، في أوقات الأزمات والضيقات والانكسار ،لا نمتلك أن نمنع أنفسنا من الاتصال بهم في جميع حالاتنا ،فرحين كنا أم حزانا ، متألمين أم سالمين ،أرجوكم أعزائي انضموا الى هذه القائمة في حياة من حولكم ولا تنتظروهم حتى يتوجعون …حتى لا تضطروهم للتمني بالقول ..أحبوني بلا وجع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.